الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

220

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لا يطيع من تصدى لعداوته منذ اليوم الأول وأخرجه من الجنة ، وأقسم على إغواء أبنائه من بعده . ومن جانب ثالث فقد اخذ هذا العهد على الإنسان بالفطرة الإلهية للناس على التوحيد ، وانحصار الطاعة في الله سبحانه ، وبهذا لم تتحقق التوصية الإلهية هذه بلسان واحد ، بل بعدة ألسنة وأساليب ، وامضي هذا العهد والميثاق . والجدير بالملاحظة أيضا أن " العبادة " الواردة الإشارة إليها في جملة لا تعبدوا الشيطان بمعنى " الطاعة " ، لأن العبادة لا تنحصر بمعنى الركوع والسجود فقط ، بل إن من مصاديقها الطاعة . كما ورد في الآية ( 47 ) من سورة " المؤمنون " أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون وفي الآية ( 31 ) من التوبة نقرأ : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا . والجميل أنه ورد في رواية عن الصادق ( عليه السلام ) تعليقا على الآية بقوله : " أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم ، ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون " ( 1 ) . وعن الصادق ( عليه السلام ) أيضا أنه قال : " من أطاع رجلا في معصية فقد عبده " ( 2 ) . وعن الباقر ( عليه السلام ) أنه قال : " من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق يؤدي عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان " ( 3 ) . الآية التالية تأكيد أشد وبيان لوظيفة بني آدم ، تقول الآية الكريمة : وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . اخذ على الإنسان العهد بأن لا يطيع الشيطان ، إذ أنه أعلن له عن عداوته بشكل

--> 1 - وسائل الشيعة ، ج 18 ، ص 89 ، حديث 1 . 2 - وسائل الشيعة ، ج 18 ، ص 91 ، حديث 8 و 9 . 3 - المصدر السابق .